وكالة مهر للأنباء- عدنان عبدالله الجنيد: عامان مرّا على الفراق، وما زال الغياب يحمل ثقله في الذاكرة؛ ففقد القادة الكبار لا يُقاس بعدد الأيام التي تمضي، لأن بعض الغياب لا تسكنه السنوات، ولا تطفئه المسافات. رحل السيد حسن نصر الله، رضوان الله عليه، وبقيت صورته في وجدان محبيه، وصوته في ذاكرة من عرفوه، وأثره حاضرًا في مدرسةٍ لم تكن قائمة على حضور شخص واحد فحسب، بل على تجربةٍ تراكمت، وأفكارٍ تشكلت، ومفاهيمَ صاغتها سنوات طويلة من الصراع.
إن ألم الفراق لا يعني توقف المسيرة، بل يكشف عمق الأثر الذي تركه الراحل فيمن حوله؛ فحين يكون القائد جزءًا من ذاكرة أمة، يصبح غيابه امتحانًا للوفاء، واختبارًا لقدرة من حملوا فكرته على مواصلة الطريق.
ومن هنا، فإن ذكرى اغتيال السيد حسن نصر الله لا تستحضر لحظة الرحيل وحدها، ولا تستعيد وجع الضاحية فحسب، بل تفتح سؤالًا أكبر: ماذا يبقى من القائد حين يغيب جسده؟ وماذا تفعل المدرسة التي بناها أمام اختبار الزمن والضربات والتحولات؟
لقد كان الفراق مؤلمًا، لكن الأثر بقي حاضرًا؛ وهنا تبدأ الحكاية الأخرى: حكاية المدرسة التي تواجه امتحان البقاء، لا باعتبارها ذكرى لقائد غاب، وإنما باعتبارها تجربةً تُختبر قدرتها على الاستمرار والتكيّف وإعادة إنتاج ذاتها في واقع إقليمي متغير.
في 27 سبتمبر 2024، اغتالت إسرائيل للسيد حسن نصر الله ،رضوان الله عليه،في الضاحية الجنوبية لبيروت، في عملية مثّلت اختراقًا كبيرًا لمنظومة القيادة والأمن لدى حزب الله، وأحدثت تحولًا عميقًا في المشهد اللبناني والإقليمي.
وبعد عامين، لم يعد السؤال متعلقًا بالاغتيال وحده، بل بما إذا كان استهداف القائد قد أنهى المدرسة التي مثّلها، أم أنه أصاب رأس القيادة بينما بقيت الأفكار والخبرات والبنى التي تراكمت على مدى عقود. وقد وصفت تحليلات اغتياله بأنه ضربة شديدة للحزب، مع الإقرار بأن تأثيره تجاوز لبنان إلى المجال الإقليمي الأوسع.
ولفهم ما بقي بعد نصر الله، لا بد من التوقف عند المدرسة التي انطلق منها؛ المدرسة الحيدرية، بما تحمله من قيم البصيرة والشجاعة والكرامة والتضحية والثبات، حيث تتحول القيادة من حضور شخصي إلى مبدأ، والمبدأ إلى موقف، والموقف إلى فعل قابل للاستمرار.
ومن هذه الزاوية، يصبح اغتيال نصر الله اختبارًا لا لشخص القائد وحده، بل لمدرسة كاملة ومدى قدرتها على البقاء وإعادة إنتاج أثرها.
من اختراق الاتصال إلى اختراق القيادة
سبقت الاغتيال مرحلة تفجيرات أجهزة الاتصال، التي كشفت عن اختراق أمني عميق، قبل الانتقال إلى استهداف القيادة العليا.
وهكذا بدا المسار وكأنه انتقال من اختراق أدوات الاتصال إلى اختراق مركز القرار؛ وهو نجاح تكتيكي واستخباري واضح، لكنه لا يحسم وحده السؤال الاستراتيجي: هل تستطيع المؤسسة إعادة بناء نفسها بعد فقدان قائدها التاريخي؟
فالاغتيال يزيل شخصية مركزية، لكنه لا يمحو بالضرورة التنظيم والخبرة والمفاهيم التي راكمتها المؤسسة عبر سنوات طويلة.
من نصر الله القائد إلى نصر الله المدرسة
ارتبط نصر الله خلال عقود بمفاهيم الردع والمصداقية والحرب النفسية وإدارة الصراع طويل المدى، وبقراءة الجبهة اللبنانية ضمن سياق إقليمي أوسع. وتظهر دراسات عن تجربته أن الحرب النفسية والرسائل الإعلامية كانتا جزءًا من أدوات الردع المتبادل، إلى جانب القوة العسكرية.
ومن هنا يصبح التفريق ضروريًا بين الرجل والمدرسة؛ فالرجل يمكن اغتياله، أما المدرسة فتُقاس بقدرتها على إعادة إنتاج القيادة، وحفظ الخبرة، وتطوير أدوات المواجهة، وتحويل التجربة الشخصية إلى تراكم مؤسسي.
فلسطين: الجبهة التي وسّعت معنى المواجهة
كانت فلسطين حاضرة في رؤية نصر الله باعتبارها مركزًا للصراع الإقليمي، وقد دخل حزب الله الحرب في 8 أكتوبر 2023 معلنًا ربط جبهته بما يجري في غزة. كما وثقت تحليلات إقليمية فكرة الترابط بين ساحات غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران. وبعد رحيله، بقيت فلسطين عنصرًا أساسيًا في المشهد.
ويمكن قراءة ذلك باعتباره امتدادًا لرؤية استراتيجية كان نصر الله من أبرز من أسهموا في ترسيخها: أن الجبهات ليست بالضرورة ساحات منفصلة، وأن ما يحدث في غزة يمكن أن يترك أثره في لبنان واليمن وسائر ساحات الإقليم.
ولا يعني ذلك أن كل تطور لاحق كان مخططًا شخصيًا منه، وإنما أن هذه التطورات جرت داخل بيئة استراتيجية ساهم في بلورة مفاهيمها وربط عناصرها.
اليمن: حين انتقلت الجبهة إلى البحر
تظهر الفكرة بصورة مختلفة في اليمن، حيث انتقل تأثير حرب غزة إلى البحر الأحمر، وتحولت الملاحة وباب المندب إلى عنصر أساسي في معادلات الصراع. ومع التصعيد الراهن، أصبحت حركة الملاحة في باب المندب موضع اهتمام دولي متزايد، فيما دعت دول أوروبية إلى تعزيز الوجود البحري لحماية الملاحة.
وهنا يمكن قراءة التطورات اليمنية باعتبارها امتدادًا لأحد مفاهيم مدرسة نصر الله: توسيع ميدان المواجهة وربط الجغرافيا بعضها ببعض؛ فالبر لم يعد وحده ميدان الصراع، بل أصبح البحر والممر الاستراتيجي جزءًا من معادلة الردع.
الحرب النفسية: حين يصبح الخوف جزءًا من المعركة
ولعل أعمق امتدادات هذه المدرسة يظهر في الحرب النفسية؛ أي في نقل المعركة من استهداف القوة العسكرية إلى استهداف ثقة الخصم بقدرته على حماية سفنه وقواعده ومجاله الحيوي.
وقد كانت الحرب النفسية جزءًا معروفًا من أدوات حزب الله في صراعه مع إسرائيل، عبر الرسائل والتهديدات وإظهار المعلومات والقدرة على المفاجأة.
وفي البحر الأحمر، أخذ هذا المنطق بعدًا أوسع؛ فالمسيّرات والصواريخ والتهديدات للملاحة أجبرت الولايات المتحدة والقوى الدولية على إعادة حسابات الحماية والانتشار والكلفة، بينما ظل باب المندب تحت ضغط أمني متزايد.
وهنا تتجلى الفكرة النفسية بأوضح صورها: كلما ارتفعت كلفة حماية القوة المتفوقة، تآكل جزء من ميزة التفوق نفسها.
وقد تحولت المسيّرات، في الخطاب والواقع العملياتي، إلى أدوات قادرة على استدعاء منظومات دفاعية وسياسية وعسكرية أكبر بكثير من كلفة الوسيلة المستخدمة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الصورة الرمزية التي تتردد أحيانًا عن «طائرة ورقية» أو «لعبة أطفال» ترعب منظومة عسكرية متقدمة؛ ليس باعتبارها مقارنة تقنية، بل باعتبارها تعبيرًا عن اختلال نفسي في معادلة الردع: أن أداة منخفضة الكلفة تستطيع أن تفرض على خصم متفوق حسابات واسعة.
إنها حرب على الوعي قبل أن تكون حربًا على الميدان؛ أن تجعل الخصم يحسب حساب السماء والبحر والقاعدة والسفينة قبل وقوع الضربة نفسها.
إيران: العمق الذي يتجاوز الأشخاص
أما إيران، فتظهر في هذه المعادلة باعتبارها جزءًا من شبكة إقليمية تشكلت عبر عقود، تضم قوى متعددة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، مع اختلاف طبيعة كل ساحة.
وتشير دراسات إلى أن نصر الله كان أحد أبرز الفاعلين في تقديم الإرشاد الاستراتيجي داخل هذه الشبكة، وأنها أعادت تشكيل نفسها بعد الضربات التي تعرضت لها.
ومن هذه الزاوية، فإن التطورات التي شهدتها المنطقة بعد غيابه يمكن قراءتها ضمن بيئة استراتيجية كان أحد أبرز المشاركين في صياغة مفاهيمها: ترابط الجبهات، وتكامل الردع، والمصداقية، والحرب النفسية، واتساع الجغرافيا الاستراتيجية.
من القائد إلى المدرسة
بعد عامين، تبدو فلسطين ولبنان واليمن وإيران والممرات البحرية حلقات في مشهد إقليمي شديد التشابك. ولا يعني ذلك أنها تتحرك جميعًا وفق قيادة واحدة، بل يعني أن بينها ترابطًا استراتيجيًا ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا بقي من مدرسة نصر الله بعد غياب نصر الله؟! فإذا كان الاغتيال قد أصاب مركز القيادة، فإن معيار الاستمرارية يكمن في القدرة على إعادة إنتاج القيادة، وحفظ التنظيم، وتطوير أدوات الردع، وتحويل الخبرة إلى معرفة وممارسة.
الخاتمة: اغتيال القائد لا يحسم مصير المدرسة
بعد عامين، يصعب اختزال المشهد في انتصار تكتيكي أو هزيمة استراتيجية مطلقة. فالعملية الإسرائيلية أثبتت قدرة استخبارية وأمنية على الوصول إلى القيادة العليا، وأحدثت خسارة كبيرة لحزب الله.
وفي المقابل، فإن استمرار حضور فلسطين والجنوب اللبناني واليمن وإيران والممرات البحرية في المعادلة الإقليمية يفتح سؤالًا آخر حول قدرة الأفكار والبنى التي تشكلت قبل الاغتيال على الاستمرار والتكيف.
ومن هنا، فإن الذكرى الثانية للشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، ليست فقط ذكرى اغتيال قائد، بل مناسبة لقياس المسافة بين اغتيال الشخص واستمرار المدرسة.
فالقائد يغيب، والمؤسسة تتغير، والجغرافيا تتحرك، ومعادلات القوة تتبدل؛ لكن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة المدرسة على تحويل التجربة من إرث شخصي إلى تراكم مؤسسي، ومن خطاب إلى ممارسة، ومن قائد إلى أثر يتجاوز حدود الجبهة التي قادها.
وهنا تحديدًا يكمن السؤال الذي تركه نصر الله بعد رحيله: هل يمكن اغتيال القائد، من دون أن تنتهي المدرسة التي ساهم في بنائها؟
/انتهى/
تعليقك